بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد – فقد اطلعت على مقال للمسمى بسعيد الزعابي تحت عنوان "انتقاد قول للشيخ الحجوري يتنافى مع مكانة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ووجوب الأدب معه".
وقدم له بمقدمة طويلة فيها ثناء على الرسول الكريم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبيان لمكانته ووجوب طاعته وتعزيره وتوقيره .
وساق آيات كريمة في هذا الصدد كما ساق تفسير العلماء لهذه الآيات الكريمات وبيان ما تضمنته من إجلال وتوقير وإكرام لنبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا نؤمن به وندين الله به من أعماق نفوسنا ولا ينازع فيه مسلم ولله الحمد .
إلا أنه مما يبهر ويلفت النظر قوله في أثناء هذه المقدمة :
" كبت محاده وأهلك مشاقه وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد وبتر شانئه ولعن مؤذيه في الدنيا والآخرة وجعل هوانه بالمرصاد" ونحن نقول آمين ونؤيده في ذلك لكن المشكلة أنه -والله أعلم- يقصد أني أنا الحجوري محاد لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومشاق له ومستهزيء به -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأنني من ذوي الأحقاد وأنني من شانئي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- .
وأني ممن آذى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واستحق اللعن في الدنيا والآخرة وقد يكون أهل دار الحديث بدماج واقعين في نظره في هذه المكفرات والله أعلم بمن تشمله دائرة كلامه هذا.
ويا ويل الإسلام والمسلمين من هذه العقليات والنفوس فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وإذا كان لا يقصدني بهذه الألفاظ كلها فليبين لي وللناس ماذا ينطبق عليّ منها .
ثم أدلف إلى مناقشة أهم ما جاء في مقاله .
جاء في مجموع الفتاوى (1) لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله ما نصه :
" سئل الشيخ رحمه الله عن رجل قال إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون الصغائر فكفره رجل بهذه فهل قائل ذلك مخطىء أو مصيب؟.
وهل قال أحد منهم بعصمة الأنبياء مطلقا؟، وما الصواب في ذلك؟؟!.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين ليس هو كافرا باتفاق أهل الدين ولا هذا من مسائل السب المتنازع في استتابة قائله بلا نزاع كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله مع مبالغتهم في القول بالعصمة وفي عقوبة الساب ومع هذا فهم متفقون على أن القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل السب والعقوبة فضلا أن يكون قائل ذلك كافرا أو فاسقا.
فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول....... (2)
وإنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين.
وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال.
وأول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك الرافضة(1) فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته وقالوا بعصمة علي والإثنى عشر.
ثم الإسماعيلية الذين كانوا ملوك القاهرة وكانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون وهم عند اهل العلم من ذرية عبيد الله القداح كانوا هم وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة لائمتهم ونحوهم مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالي في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم قال ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض.
وقد صنف القاضي أبو يعلى وصف مذاهبهم في كتبه وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة وقد يكفرون من ينكر القول بها وهؤلاء الغالية هم كفار باتفاق المسلمين.
فمن كفر القائلين بتجويز الصغائر عليهم كان مضاهيا لهؤلاء الإسماعيلية والنصيرية والرافضة والإثنى عشرية؛ ليس هو قول أحد من أصحاب أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا المتكلمين المنتسبين إلى السنة المشهورين كأصحاب أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وأبي عبد الله محمد بن كرام وغير هؤلاء ولا أئمة التفسير ولا الحديث ولا التصوف ليس التكفير بهذه المسألة قول هؤلاء.
فالمكفر بمثل ذلك يستتاب فإن تاب وإلا عوقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا إلا أن يظهر منه ما يقتضى كفره وزندقته فيكون حكمه حكم أمثاله.
وكذلك المفسق بمثل هذا القول يجب أن يعزر بعد إقامة الحجة عليه فإن هذا تفسيق لجمهور أئمة الإسلام.
وأما التصويب والتخطئة في ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة وتفصيل القول في ذلك يحتاج إلى بسط طويل لا تحتمله هذا الفتوى والله أعلم".
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه أضواء البيان (4/ 583-584) في
تفسير قوله تعالى (( وعصى آدم ربه فغوى)) من سورة طه:"
وقوله تعالى في هذه الآية:(( وعصى آدم)) يدل على أن معنى غوى ضل عن طريق الصواب كما
ذكرنا، وقد قدمنا أن هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي حجة من قال بأن
الأنبياء غير معصومين من الصغائر. وعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامهم عليهم مبحث
أصولي لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف معروف وسنذكر هنا طرفاً من كلام أهل
الأصول في ذلك.
قال ابن الحاجب في مختصر الأصول:
مسألة:
الأكثر على أنه لا يمتنع عقلا على الأنبياء معصية وخالف الروافض وخالف المعتزلة إلا
في الصغائر، ومعتمدهم التقبيح العقلي والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد
الكذب في الأحكام لدلالة المعجزة على الصدق وجوزه القاضي غلطاً وقال: دلت على الصدق
اعتقاداً، وأما غيره من المعاصي فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة
والأكثر على جواز غيرهما_ اه منه بلفظه.
وحاصل كلامه: عصمتهم من الكبائر ومن صغائر الخسة دون غيرها من الصغائر".
قال الزعابي :" وقد هالني كلاماً (كذا) سمعته للشيخ يحي الحجوري ضمن إجابته عن أسئلة وجهت له يتنافى مع مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب الأدب معه" .
وأضع بين أيديكم أخوتي الكرام كلامه بنصه ثم نعود لبيان ما تضمنه من خطر وخطل وزلل غفر الله لنا وله.
قال في أسئلة وادي حضرموت 1422هـ :
(( ..نعم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في بعض المسائل .
لكن ! اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم يكون توفيقاً ، فالسنة ! توقيفية وتوفيقية
أما على التوقيف على دليل يأمره الله بذلك .
أما على التوفيق يقره الوحي على ذلك .
وما كان مخطئا في ذلك ينزل الوحي في أسرع وقت في بيان ذلك الغلط ( !! ) .
ومن ذلك ((عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * )) من وسائل الدعوة هذا ، اقبل النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أشراف قريش يعظهم ويطمع في اسلامهم عليه الصلاة والسلام ، وأتى ابن أم مكتوم أعمى ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أمور دينه ، والنبي صلى الله عليه وسلم كره هذا منه ، كره أن يتكلم وهو يتكلم مع أولئك الأشراف يدعوهم إلى الله وابن أم مكتوم يسأل في ذلك الوقت رضي الله عنه .
فبعد ذلك نزل التأديب من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم :
(( عَبَسَ وَتَوَلَّى )) كره ذلك وعبس وجهه من أبن مكتوم ، أنزل الله ((عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ))
إنها تذكره عليك التذكره أنت .
هذا من وسائل الدعوة التي أخطأ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم (!!!)
أدبه ربه بالوحي أدبه ربه بالوحي ، أدبه ربه ! وأنزل قرآن يتلى في بيان تصويب هذا الخطأ (!!).
همّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد أناسا من أصحابه لقصد إقبال بعض أشراف قريش قالوا اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك فأنزل الله تعالى تعديل هذا الخطأ (( وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ - وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ - مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ )) ، هذا من وسائل الدعوة .
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا دعا على أناس اللهم عليك بفلان وبفلان وبفلان ، نزل الوحي في تعديل هذا الخطاء ، نزل الوحي ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)) نعم والذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات اسلموا وذكرهم الحافظ ابن حجر في الإصابة جملة من اللذين و نقلناه عن الحافظ أيضا في الصبح الشارق بأسمائهم .
الشاهد أن كثيرا من الناس أتوا من هذا الباب أن مسألة الدعوة للإنسان أن يخوض للإنسان فيها أن يخوض ويصول ويجول وبرأيه وبحكمته فيما يزعم هو ، بحكمته فيما يزعم وبحذلقته وببرمجته إلى آخر ما يقولون ... )) انتهى كلامه غفر الله له.
1- فقولي:" نعم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في بعض المسائل .
لكن ! اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم يكون توفيقاً ، فالسنة ! توقيفية وتوفيقية
أما على التوقيف على دليل يأمره الله بذلك .
أما على التوفيق يقره الوحي على ذلك ".
وهذا تأصيل جيد فيه بيان مكانة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومكانة سنته فأصل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الوحي من رب العالمين ، فمنه القرآن وكله وحي ، ومنه السنة ومعضمها وحي. وقد بينت أن من السنة ما هو توقيفي أي وحي من الله ومنها ما يجتهد فيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيوفقه ربه في ذلك الاجتهاد ويقره عليه ربه الذي أكرمه بهذه المنزلة منزلة الاجتهاد وزاده إكراماً بتقريره عليه ، ولذا قلت "إما على التوقيف على دليل يأمره بذلك" .
وهذا كله مدح عظيم وتوقير له -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإشادة بمنزلته .
وأما على التوفيق يقرره الوحي على ذلك .
2- ثم قلتُ:" وأما ما كان مخطئاً في ذلك ينـزل الوحي في أسرع وقت في بيان ذلك الغلط".
وهذا فيه بيان لمنـزلة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- .
وأنه يختلف عن غيره من المجتهدين من أمته مهما بلغت منـزلتهم فالمجتهد منهم إن أصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر اجتهاده ويعفى عنه في خطئه .
والرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أولى بالأجر على الاجتهاد وله مزية عظيمة أن ربه يوحي إليه بالتسديد، وهذه المنـزلة التي لا يلحق فيها -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إضافة إلى المنازل الأولى التي ذكرتها تعظيماً لهذا الرسول ولشريعته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا أمر بدهي يعرفه ويسلم به طلاب العلم فضلاً عن العلماء.
أما كلمة "خطأ" فهذا أمر يقرره العلماء الذين يعظمون الرسول حق التعظيم ويعظمون شريعته بياناً منهم للحقيقة الشرعية مستمدين ذلك من القرآن والسنة وهذا لا يتنافى مع منـزلته ومكانته المنيفة -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- .
3- تكلمتُ في تفسير سورة "عبس" بما نص عليه القران وبمثل ما يقوله المفسرون وبينت أن تصرف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هنا كان من باب الاجتهاد، وسدده الله بما أوحاه الله إليه في هذه السورة، وذكرت مثل ما يقوله أهل التفسير في تفسير ذلك، بل زدت بياناً لمنـزلة سنته على وجه التفصيل .
4- ثم قلتُ: "أدبه ربه بالوحي أدبه ربه بالوحي أدبه ربه وأنزل عليه قرآناً يتلى في بيان تصويب هذا الخطأ".
ومقصودي الرد على أهل الأهواء الذين يخترعون وسائل للدعوة قد تكون باطلة وإذا نصحوا لا يرجعون عنها .
أما الرسول الكريم فإن الله يتولى رعايته ويحفظه ويحفظ شريعته بالوحي حتى بلغت نهاية الإحكام والكمال الذي لا تلحقه فيه شريعة من الشرائع السماوية .
أما قولي:" أدبه ربه بالوحي أدبه ربه بالوحي".
فهذا الكلام ليس فيه تنقص له -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأبي هو وأمي، بل هو مدح للرسول ولشريعته العظيمة، فتقييد الأدب بالوحي مع سياق الكلام الذي فيه بيان أنواع سنته، كل ذلك يدل على تعظيمي لهذا النبي العظيم ولشريعته المطهرة، وليس فيه تنقص عند العقلاء المنصفين .
ومع ذلك لما حَمَلَ كلامي بعض الناس على المحمل السيء الذي لا يحتمله كلامي ويرفضه السياق الذي حف هذه الكلمة وأمثالها، قلت حينذاك :" أنا أرجع عن هذا الأسلوب وأستغفر الله منه قطعاً لدابر الفتنة التي يتقصدها بعض الناس"، ولكن فتنتهم لم تنقطع لمآرب يعلمها الله ويدركها البصراء، ومنها هذا المقال الذي أناقشه الآن. فأجدني مضطراً لتوضيح الحقيقة التي دان بها السلف الأخيار ضد مذاهب أهل البدع الأشرار.
5- نقل الزعابي آيات فيها تعظيمه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإجلاله وإلزام الأمة بتعزيزه وتوقيره .
ونقل كلام العلماء في تفسير هذه الآيات .
ولم يكتف الزعابي بما سلف من الإيهام الباطل ، بل صرح بأن كلامي شتم للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حيث قال : " ولا ريب أن مثل هذا الكلام الذي قاله الحجوري هدانا الله وإياه في جناب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو من الشتم الذي يؤذي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويؤذي المؤمنين".
وهذا الذي الكلام الذي تفوه به الزعابي والله إنه لمن البهت العظيم ، قال تعالى : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا ) .
6- نقل الزعابي خلال تجنيه عليَّ كلام القاضي عياض الآتي:
" وأما قوله عبس وتولى فليس فيه إثبات ذنب له -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكى وأن الصواب والأولى – لو كشف لك حال الرجلين – الإقبال على الأعمى وفعل ما فعل وتصديه لذلك الكافر كان طاعة لله وتبليغاً عنه واستئلافاً له كما شرعه له لا معصية ولا ذنباً" .
ونقول :
ا- إن ظاهر كلام القاضي عياض الرد على من يقول إن رسول الله يذنب ويعصي الله تعالى .
وأقول أنا ما قلت هذا ولا حمت حوله، فبسبب الجهل البالغ بمقاصد الكلام وسوء القصد نقل هذا الرجل كلام القاضي هذا في نقد كلامي البعيد كل البعد عن ما يعالجه القاضي عياض .
ب- يلزم الزعابي أن يطعن في القاضي عياض وأن يقول إنه شتم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وحاشا عياضاً من ذلك .
ولكن هذا مذهب الزعابي .
وكيف يكون على مذهب الزعابي في كلام القاضي شتماً ؟ .
الجواب أن القاضي عياضاً قال كما ترى " وأن الصواب والأولى لو كشف لك حال الرجلين " فهذا بمعنى كلامي أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخطأ في قصة الأعمى .
فالصواب ضد الخطأ فمعناه أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد جانب الصواب ووقع في الخطأ .
وزاد بأنه وقع في خلاف الأولى وأنا أثبت له الاجتهاد وأن ربه يؤدبه بالوحي الذي هو شرف للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- .
وأيضاً في كلام القاضي على مذهب الزعابي تجهيل للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله:" لو كشف لك حال الرجلين " برأ الله القاضي عياض وبرأني من ذلك .
وعلى الزعابي أن يدرك أنه يتحمل مسؤولية ما ينطوي عليه كلام القاضي عياض على مذهبه، وأنه قد يكون قد شتم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهذا الكلام الذي نقله عن القاضي عياض ليجرمني به فوقع في الحفرة التي حفرها لغيره .
قاتل الله الجهل والهوى كيف يرديان صاحبهما .
7- قال الزعابي بعد نقله لكلام القاضي عياض :
"فأنت ترى :" أخي أن القاضي عياضاَ (كذا) قال أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- : " وتصديه لذلك الكافر كان طاعة لله وتبليغاً عنه واستئلافاً له كما شرعه الله له لا معصية ولا مخالفة له .
وأن ليس فيه إثبات ذنب له -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكيف يجرؤ هذا الحجوري هداه الله على تخطئة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإيذائه بمثل هذا الكلام" .
يقال له يا مسكين إن كلام القاضي عياض في واد وأنت في واد آخر.
فهل قلتُ أنا : أن تصدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للكافر كان معصية لله وليس بطاعة لله ولا استئلافاً ولا شرع الله له دعوة الكافرين.
وهل أثبتُ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذنباً بدعوته هذا الكافر ؟
إن أسلوبك هذا يشبه أساليب أهل البدع، وفيه إرهاب فكري خطير يجب أن تتوب إلى الله منه، وأن تتعلم على الأقل بدهيات المنهج السلفي بما في ذلك العدل والعقل والفهم والحكمة وفهم كلام العدو والصديق على وجهه .
8- نقل الزعابي كلام الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي الآتي :" قال العلامة أحمد بن حجر آل بو طامي رحمه الله في كتابه ( العقائد السلفية بأدلتها النقلية والعقلية
(1/ 324 ) :
"مع التسليم أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن لا نسلم كونه ذنبا .
بيانه : أن الله وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق ، فقال تعالى : ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [ القلم : 4 ] وقال تعالى : ((وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )) [ آل عمران : 159 ] ، وقال تعالى : ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [ الأنبياء : 107 ] ، فما ظهر منه في بعض الأوقات النادرة خلافه ، عاتبه عليه ، وعرفه أن ذلك غير لائق ، فيكون ذلك من باب ترك الأولى .
ثم السبب في ذلك كما جاء في الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكلم مع بعض أشراف قريش ويستميلهم إلى الإسلام ، رجاء أن يعز بهم الإسلام ،وقد كان من الحرص على إسلامهم بحيث قال الله تعالى : ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا )) [ الكهف : 6 ] ، فحضره هذا الأعمى ، ولم يعرف كيفية الحال ، فسأل مسألة في خلال مكالمة النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل ، فاشتد عليه ذلك ، إذ كان ذلك قطعا للكلام ، وإفسادا لما كان يحاوله من إسلام ذلك الرجل ، فأعرض عنه ، فنهاه الله تعالى عن ذلك ، وأمره بالإقبال على كل من أتاه من شريف ووضيع وغني وفقير ، بأن لا يخص بدعوته شريفا دون دني ، إذ الواجب عليه هو التبليغ إلى الكل ، وليس عليه من امتناع من امتنع عن قبول دعوته تبعة ولا عهدة)) اهـ.
المآخذ على الزعابي :
أ- إن كلام ابن حجر هنا فيه رد على من يقول إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد ارتكب ذنباً في دعوته لهذا الكافر.
وأنا لم أقل أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ارتكب ذنباً بل قلت ما قاله العلماء .
ب- إني لا أخالف ابن حجر فيما قرره من نبل مقصد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ، ولا يخالفه في ذلك مسلم .
ج- ورد في كلام ابن حجر عبارات تحاسب عليها أنت ويعذر فيها ابن حجر :
-1- فمنها قوله عقب الآيات الكريمة التي ساقها لبيان منـزلة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المنيفة وأخلاقه العظيمة:" فما ظهر منه في بعض الأوقات النادرة خلافه عاتبه عليه وعرفه أن ذلك غير لائق فيكون ذلك من باب ترك الأولى " .
فأنت باحتجاجك بهذا الكلام تقول : يأتي في بعض الأوقات بخلاف أخلاقه الكريمة وأنه يأتي في بعض الأوقات بغير اللائق ويأتي بخلاف الأولى .
وهذا على مذهبك فيه طعن شديد في النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنت المسؤل عنه والعاقل يعرف الفرق بينه وبين قولي أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يجتهد أحياناً فيخطيء أو يؤدبه ربه بالوحي .
ولا شك أن قوله(1) "يظهر منه بعض الأوقات خلاف أخلاقه وأن الله عرفه أن ذلك غير لائق وأنه خلاف الأولى" أشد من كلامي .
-2- وأن قوله عن الصحابي إن عمله إفساد لما يحاوله من إسلام ذلك الرجل يعتبر طعناً في الصحابي فأنت تتحمله .
-3- قوله وأمره بالإقبال على كل من أتاه من شريف ووضيع وغني وفقير بأن لا يخص بدعوته شريفاً دون دني إذ الواجب عليه التبليغ إلى الكل ...الخ
هذا الكلام فيه تعميم يفهم القاريء بأنه كان من عادة النبي وواقعه أنه كان يخص بدعوته الشرفاء دون الوضعاء والأغنياء دون الفقراء وأنه أخل بواجب التبليغ إلى الكل، فجاءه التنبيه من الله يبين له أن الواجب خلاف ما أنت عليه في هذه الأمور وهذه العادة فأنت تتحمل مسئولية هذا .
والواقع أن حال النبي وعادته على خلاف ما ينطوي عليه هذا الكلام فهو -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدعو من أول يوم الفقراء والعبيد والإماء والضعفاء قبل الأغنياء وإن كانت دعوته شاملة لجميع الطبقات ولهذا اعترف أبو سفيان عند هرقل أن المستجيبين لدعوته هم الضعفاء وهم معروفون والحمد لله رضي الله عنهم أجمعين .
والواقع مرةً أخرى أن هذه حالة وحيدة سرعان ما جاءه الوحي وفي المقام نفسه وليست حالة عامة ولا عادة كما يفهم من هذا الكلام الذي أحتج به الزعابي فجاء عليه لا له .
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
9- قال الزعابي عقب كلام ابن حجر :" فأين حال الحجوري هداه الله وتخطئته للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الله أدبه على خطأه هذا ؟! وبين حال العلماء الذي يقولون أنه عتاب من الله له صلى الله عليه وسلم ؟!!\\" .
يا مسكين إن العلماء يقررون أن الأنبياء يجتهدون فيخطئون بل يجوز وقوع الصغائر منهم إلا ما فحش منها أو دل على دناءة ، فهم منـزهون عنه ويبينون منـزلة خطئهم وأنه يختلف عن أخطاء غيرهم من المجتهدين بأن الله يحوطهم بعنايته فيسددهم بالوحي بخلاف غيرهم وهل قررت خلاف هذا ؟
وأما قولي أدبه ربه بالوحي فليس فيه تنقص ولا يقول هذا عاقل .
أورد السيوطي في الجامع حديث " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ورمز له بالصحة وذكر عبد الرؤوف المناوي أن أبا الفضل بن ناصر صححه .
ونقل عن الزركشي أنه قال إن معنى الحديث صحيح ، لكنه لم يأت من طريق صحيح .
ونقل عن الجوزي أنه ذكره في الواهيات .
وأن السخاوي قال ضعيف وإن أقتصر شيخنا( يعني ابن حجر ) على الغرابة .
وقال ابن تيمية لا يكون له سند ثابت " .
فيض القدير (1/225) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع وفي الضعيفة .
لكن لم يقل أحد من العلماء أن في معناه تنقصاً بل ترى من نص على صحته ومن نص على صحة معناه وإن قال بضعف طرقه .
قال المناوي شرح هذا الحديث ما يأتي :
" أدبني ربي " أي علمني رياضة النفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة ، والأدب ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسبة(1) .
ثم قال المناوي " وفي شرح النوابغ هو ما يؤدي بالناس إلى المحامد أي يدعوهم وساق في شرف معنى الأدب وفضله أقوالاً كثيرة .
وفي الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : الرجل تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها ويؤدبها فيحسن أدبها " الحديث .
10- قال الزعابي قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الصارم (2/982)
" قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أنَّ التنقص به كفر مبيح للدم وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه والإزراء به أو لا يقصد عيبه ، لكن المقصود شيء آخر حصل السب تبعاً له أو لا يقصد شيئاً من ذلك بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك .
فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سباً ".
ثم علق الزعابي على هذا الكلام بقوله :
"فكيف بمن خطأه في منهجه ؟! والأسلوب في دعوته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- "
يعني أن كلمة أخطأ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قصة ابن مكتوم وقوله أدبه ربه بالوحي في سياق كلام يوحي بتعظيم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشريعته، أشد في الإجرام من سب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأشد من اللعن ومن التقبيح وأشد من الطعن في عدل الرسول وأشد من الطعن في إخلاصه وإذا كانت الطوائف جميعها قد اتفقت على كفر من انتقص الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واتفقت على إباحة دمه .
فالحجوري في نظر الزعابي أولى بالكفر واستباحة دمه .
فهل رأت العيون أو سمعت بمثل هذا الحكم .
وإذا علمنا أن جمهور السلف من محدثين وفقهاء ومعظم الأشاعرة على أنه يجوز الخطأ على الأنبياء وأنه يجوز وقوع الذنوب الصغيرة منهم إلا ما يدل على الخسة والفحش فإنهم منزهون عنه .
فهذا الجمهور عند الزعابي ومن يفرح بقوله كفار أو أشد كفراً من الحجوري الذي هو أشد من السبابين ومن مر ذكرهم من الطاعنين في الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- .
ويا للهول ويا للكوارث على الأمة من أمثال هذا الزعابي الرهيب وفقهه وأحكامه .
أيها الرجل كل ما نقلته عن العلماء في مقالك هو افتراء على العلماء لأنهم ومقاصدهم في واد وأنت وكلامك وفهمك وأحكامك في واد سحيق عنهم .
وكلامي لا يعد عند أحد منهم سباً ولا طعناً في عدالة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأمانته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ..الخ
والله يعلم محبتي وتعظيمي وإجلالي لهذا الرسول وشرعه العظيم وإني لأبرأ إلى الله مما أتهمني به هذا الجهول الظلوم وأعوذ بالله من فقهه وأحكامه .
وأطلب من علماء السنة النظر في كلامي وكلام هذا الرجل ومن يؤيده وأحكامهم ثم الصدع بالحق حماية للسنة وأهلها من غمط السفهاء وجورهم وأحثهم على المبادرة بذلك وفق الله علماء السنة لحماية السنة وحماية أنفسهم من توثب الجهلة والسفهاء على أشخاصهم وعلى عقيدتهم وعلى مناهجهم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.